الثلاثاء, ديسمبر 5, 2023
No menu items!
Dawen APP
الصفحة الرئيسيةمقالاتخالد أمين يكتب: أسرار أدب الرعب (2).. أشياء تحدث ليلًا

خالد أمين يكتب: أسرار أدب الرعب (2).. أشياء تحدث ليلًا

اسمي هو دراكولا، ولدت عام 1431 بمقاطعة والاشيا في رومانيا تحت اسم فلاد الوالاشي، أبي كان يحارب السلطان العثماني وتعرض للخيانة من النبلاء الرومانيين، وبينما أنا طفل تم أسري من العثمانيين، قبل أن أعود لولاشيا كأمير يبغى الثأر، قتلت كل النبلاء في مذبحة أشبه بتلك التي حدثت للمماليك. لا تتسائلوا كيف أعرف بشأن مذبحة المماليك، عندما تمتع بالحياة الأبدية مثلي تصبح أسئلة كتلك شديدة السذاجة، جمعت النبلاء في مأدبة عظيمة قبل أن أنحر أعناقهم وأدق رؤسهم، وأعلنت نفسي أمير لرومانيا وضممت مقاطعة ترانسفلينا لحكمي، وبدأت في استكمال مسيرة أبي بمحاربة العثمانيين، لكن جيشي كان صغيرا مقارنة بسطوة الأمبراطورية العثمانية، وقد احتجت لعامل آخر، شيء آخر يعطيني القوة، وقد كان هذا الشيء هو الخوف.

كنت بحاجة لأن أدب الرعب في قلب أعدائي، فعبرت الخط الفاصل بين واقع البشر وواقع الظلام، درست السحر الأسود، وارتكبت الشنائع، كنت أخوذق أعدائي أحياء وأجلس في حديقة قلعتي الشهيرة بترانسلفيانا وأنا أشاهدهم يتعذبون بألم ويلفظون أنفاسهم الأخيرة، وشربت دمائهم في أكواب ذهبية مع الأفطار، وكنت أعاقب القتلة والسارقون من أبناء شعبي بقطع أعضائهم التناسلية. في عهدي سادت العدالة وفرضت سطوتها وعاش الجميع بأمان ورخاء، وانتصرت بالفعل على العثمانيين أبان سقوط قسطنطينة، لكني وقعت في الحب، وزوجتي لم تتحمل صراخ الضحايا في القلعة فرمت نفسها من شرفتها، لا زلت أتذكر وأنا أحتضن جثتها وأصرخ مطالبًا بعودة روحها إلى جسدها الفاني، في هذا التوقيت كنت أحارب أخي، الذي يقود جيوش العثمانيين بعدما أسروه وهو طفل وأصبح مقربا من السلطان، كنت أقود جماعة التنين المسئولة عن الدفاع وحماية رومانيا، لكني انقلبت على الكنيسة وحاربتهم مع العثمانيبن في الوقت نفسه، كانوا يحكون الأساطير عني، كيف أني لا أموت، وأنه عند مولدي بكى تمثال العذراء دمًا! تعرضت للخيانة وسجنت 14 عاما في الظلام، لم أستطع تحمل ضوء الشمس عند خروجي، واشتدت الحرب بيني وبين الكنيسة والعثمانيين بعدما استعدت حكمي وجيشي، فتآمروا ضدي وتحالفوا وقتلني أخي، أو كذا أعتقد، لكني كنت ملعونا من كل الأديان، والشنائع التي ارتكبتها جذبت إليّ قوى الظلام، ولعنتي كانت أن أهيم في الأرض إلى أبد الآبدين، مخلوق ليلي لا يرى الضوء، يحيى في تابوت بين الموتى في المقابر.

تحولت بعد موتى لأول مصاص دماء على وجه الخليقة، قادر على التحكم في قوى الطبيعة، واستدعاء العاصفة والضباب، قادر على التحكم بالمخلوقات الليلية كالفئران والثعابين والخفافيش والذئاب، أنشر الرعب والهلاك من حولي، وبعد مرور 4 قرون قابلت المحامي الإنجليزي الشاب جوناثان هاركر القادم من لندن ليزورني في قلعتي وهو لا يعلم حقيقتي، أذقته الأهوال وذهبت للندن لأفتك بخطيبته وصديقتها، لكن فجأه ظهر هذا الرجل الخبير في أمور الميتافيزيقيا، بروفيسور إبراهام فان هيلسنج، كان يعلم كل شيء عني، وكيفية مواجهتي، وكون فان هلسنج فريقا في لندن من أصدقاء خطيبة هاركر، واستطاع هو ووفريقه التغلب علي.

لكن ليس للأبد، لقد عدت الآن، طلبًا للانتقام، علمت أن فان هيلسنج، صائد المخلوقات الليلة، قد ذهب للغابة المسحورة لكي يواجه شر من نوع خاص ومختلف فتقفيت أثره وذهبت إليه، هو يجلس أمامي الآن خائفًا لكنه يتظاهر بالثبات، هذا العجوز الأحمق كان يحكي لكم عن أدب الرعب بشكل ساذج، ولذا قبل أن أنتزع قلبه من صدره سوف أحكي لكم أنا عن الرعب.. اسمي هو فلاد المخوزق، لكن بإمكانكم دعوتي باسم دراكولا.. وربما بعد انتهي من حكايتي سوف أقبض على عنق البعض منكم لأفصل رؤوسكم عن أجسادها.. ربما.

ما فعله الكاتب برام ستوكر هو التطرق للتاريخ ومزجه بالرعب القوطي، رعب الظلام والقلاع والعواصف والعهد الفيكتوري كما ذكر لكم فان هيلسنج من قبل، وهكذا بحث برام ستوكر عن تاريخي -فلاد المخوزق- ومزجه بأسطورة مصاص الدماء عندما عرف أنهم لم يجدوا جثتي أبدًا. وقد عرف ستوكر كل هذا من اللقاءات السرية بجاسوس مجري يدعى فان هيلنسج فخلد ستوكر الاسم في رواياته، كان الجاسوس المجري هو الوحيد الذي يعرف كل شيء عن تاريخي وفي الرواية أصبحت تلك الميزة الأهم في فان هيلسنج.

تلك الرواية العبقرية قد ألهمت الكثير من الكتاب ليومنا هذا، أهم هؤلاء الكتاب هو ستيفن كينج الذي ستجد في أغلب رواياته فكرة المجموعة التي تتكون بسبب ظروف قهرية لمواجهة الكائن الشيطاني، وهو النموذج الروائي الذي وضعه ستوكر في قالب الخير يواجه الشر برواية دراكولا.. مينا هاركر وخطيبها وآرثر هوملود خطيب لوسي وستويرد الطبيب النفسي يتحالفون سويًا تحت قيادة فان هيلسنج في مواجهة الشر الخارجي.. دراكولا.

لقد كتب ستيفن كينج أول رواية منشورة له “كاري” بأسلوب الخطابات المتبادلة، وهو نفس الأسلوب السردي في رواية دراكولا، وفي أغلب رواياته ستجده يستشهد باقتباسات عدة من رواية دراكولا، اقتباسات أدبية رائعة مثل:
“الموتى يسافرون بسرعة”
“ولكم من يوم يمضي لينعقد الدهر”
“استمع إليهم أبناء الليل أي موسيقى عذبة تلك التي يعزفون”
“هناك أشياء عدة أسوء من الموت”

وقد كان ستيفن كينج يعمل كمدرس أدب إنجليزي، وبينما هو يدرس رواية دراكولا لتلاميذه فكر “ما الذي سيحدث لو قدم مصاصين الدماء لنيو انغلاند؟”.. وعليه فقد كتب رواية شهيرة له تعد جزء ثانِ لرواية دراكولا وهي رواية “قرية سالم أو أرض سالم”. الرواية تعد حقًا امتدادا لدراكولا في التفاصيل جميعًا. كاتب آخر قام بكتابة جزء ثاني لدراكولا وهو إدوارد لي، تدور أحداث الرواية في لندن المعاصرة ونكتشف أن فان هيلسنج قد تحول لمصاص دماء بعد صراعه مع دراكولا. هذا هو أثر رواية دراكولا وأهميتها، وتنافسها في الأهمية رواية أخرى.

لحظة.. أمد مخالبي صوب وجه فان هيلسنج الجالس أمامي في الكوخ، وأخرج لساني المشقوق كلسان الأفعى وأنا أهمس: ما الذي تريده يا فان هيلسنج؟

لم تتحدث عن روايات آن رايس مثل لقاء مع مصاص الدماء التي تحولت لفيلم شهير من بطولة توم كروز وبراد بيت أو روايات الغسق

توايلايت

اصمت يا فان هيلسنج، اصمت وإلا قطعت لسانك وخنقتك. يصمت فان هيلسنج ولكن يختنق وجهه ويحتقن بالكلمات الحبيسة

يرفع فان هيلسنج رأسه بشك صوبي قبل أن يقول: قامت الروائية آن رايس بكتابة ملحمة عن مصاصين الدماء في عدة روايات طويلة لكنها غيرت فكرة الشر الخارجي لداخلي وقدمت تلك الروايات في قالب نفسي، فالأبطال هم مصاصين الدماء ونحن نرى صراعهم الداخلي، وهذا دليل على مرونة أدب الرعب فهو كالحرباء قادر على تشكيل نفسه في أي إطار، أما روايات الغسق فقد تطرقت للرومانسية وحب المراهقين في إطار قصص مصاصين الدماء.

هل انتهيت من حديثك الساذج أيها العجوز؟

بلى

أشيح بوجهي واستطرد في حديثي إليكم بينما هناك خفاش يحلق فوق رأس فان هليسنج الذي صرخ عندما أخرجت رأس مقطوعة من عبائتي وبدأت أجرع الدماء منها، عذرًا فهو موعد العشاء، على أي حال، في فصل شهير برواية دراكولا يدعى “الديمتري” وهو اسم الباخرة التي تنقلني من قلعتي برومانيا لإنجلترا، نرى الرعب الذي أنزله بالقبطان وطاقم الباخرة، تم تحويل هذا الفصل لقصص معاصرة ومستقلة والآن يتم تحويله لفيلم مستقل. كما أن هناك فيلم بعنوان “رينفيلد” عن خادمي المطيع، تلك ميزة أخرى في أدب الرعب وهي إرث الفن، ما بدأه منذ 200 عام يكمله آخر في عصرنا هذا، كأن الخيال عملية كاملة متصلة لا جنسية لها ولا زمن، بلا حدود بمعنى آخر.

رواية أخرى كتبتها فتاة مراهقة في الثامنة عشر من عمرها وهي ماري شيلي، أول رواية خيال علمي في التاريخ -وأؤكد أنها أول رواية لأن أول قصة خيال علمي كانت في ألف ليلة وليلة- وهي رواية رعب كذلك، تلك الرواية أيضًا كتبت منذ 200 عام ولا يزال اسم فرانكنشتاين معروف على مستوى عالمي، لماذا؟ لأن أدب الرعب شديد القوة وقادر على الوصول للوعي البشري في أي وقت.

مسخ بشري مكون من أجساد آدمية عدة، يصنعه سارق القبور والعالم فيكتور فرانكنشتاين المهوس بفكرة التغلب على الموت، ومع التقدم التكنولوجي في هذا العصر واكتشاف الكهرباء تعيد الصاعقة الكهربائية المسخ للحياة، لكن هناك خطأ اركتبه فيكتور، لقد سرق مخ قاتل مجنون معتقدًا أنه يخص عالم عبقري، يعود المسخ للحياة، ويرتعب فيكتور من قبح المسخ فيطرده ويهجره، يهيم المسخ بين البشر كطفل حديث الولادة، يبحث عن الحب والاهتمام، لكنه يكتشف قبح البشرية بواسطة تنمرهم وقسوتهم، يحولوه لمسخ حقيقي، كما قال الفيلسوف ديكارت “ليحذر من يحارب الوحوش من أن يتحول لوحش”. وقد صنع البشر مع فيكتور مسخ فرانكنشتاين.

إليكم اقتباس من الرواية على لسان المسخ “أنا أحمل بداخلي حب هائل وغضب لا حدود له، لو لم ينتصر الحب فلسوف يمتلكني الغضب وحينئذ سيكون الويل وكل الويل”.. الرواية تنتمي لأدب الرعب لكنها تحمل في جعبتها الكثير، الرومانسية والفلسفة والاجتماعية، في النهاية يعلم المسخ نفسه بنفسه عن طريق قراءة شكسبير والشعر ويتعلم الكلام ويتقفى أثر فيكتور ويطالبه بصنع رفيقة له، عروسة فرانكنشتاين، يرفض فيكتور وتتوالى الأحداث ويقتل المسخ زوجة فيكتور في ليلة زفافه، ويحرق قلعته، ثم يكتفي المسخ من البشر فيذهب للقطب الشمالي ليعيش وحده، لكن فيكتور هو الذي يتقفى أثره تلك المرة ويموت الاثنان بعد صراع أخير في الثلج، الحقيقة أن المسخ يبكي ويرثي فيكتور بعد مماته صائحًا “لقد مات أبي”.

بالمناسبة الرواية مكتوبة بتقنية الفلاش باك، تبدأ بقبطان مهووس باكتشاف القارة الثلجية تتعطل باخرته في الثلج ويقابل فيكتور الذي يحكي له حكايته قبل مقابلة المسخ في نهاية الرواية، وهنا رمزية قوية لفكرة الهوس البشري القادر على تدميرنا، فكلمات فيكتور الأخيرة للقبطان هي “تخلى عن الطموح المدمر”، وبالفعل يعود القبطان وطاقمه متخليًا عن فكرة اكتشاف القارة الثلجية.

تلك الرواية الدسمة التي لا تزال تدرس في جامعات الدول الأدبية كتبتها فتاة مراهقة ابنة الثمانية عشر عاما، وهذا هو سحر الخيال وأدب الرعب. نشرت الرواية باسم “فرانكنشتاين: بروموثيوس العصر الحديث”، في الأساطير الأغريقية بروموثيوس يسرق النار من آلهة الأوليمب ويعطيها للبشر بسبب تعاطفه معهم، فيتم معاقبته من قبل الآلهة ونفيه للأرض، وفي حفل زفاف بندورا -أجمل فتاه في القرية التي يعيش بها برومويثيوس- على صديقه المقرب، يرسل الآلهة صندوق مغلق كهدية زفاف، لكن بروموثيوس المتشكك في الآلهة يطلب من صديقه وبندورا ألا يفتحا الصندوق، طبعًا يتغلب فضول المرأة على بندورا وتفتح الصندوق فتخرج منه كل الأرواح الشريرة مثل الغضب والحقد والغيرة والكذب وينتشروا بين البشر، تصاب بندورا بالهلع فتغلق الصندوق قبل خروج آخر روح، الأمل.. أعتقد أن كل كاتب ذو خيال قد قرأ الأساطير الأغريقية بشكل أو بآخر ومعها ألف ليلة وليلة، مثل ماري شيلي، لا تنسوا أن مصطلح نرجسي “في علم النفس هو الشخص الذي يعاني من حالة الكذب المرضية، حب النفس، عدم القدرة على التعاطف” أتى من قصة الشاب الجميل المعجب بنفسه في الأساطير الأغريقية، الذي أعتاد النظر لإنعكاسه بحب على سطح ماء البحيرة المجاورة لأشجار النرجس فأطلقوا عليه اسم نرجسي.

ولكن لماذا أدب الرعب دومًا ناجح في الروايات والأفلام رغم أنف النقاد وأنصار الأدب الواقعي؟ علم النفس سيقول لنا إن التطهر أهم عنصر لهذا، سوف اقتبس من الفريد هيتشكوك عندما تم سؤاله لماذا يفضل أدب الرعب والتشويق فكانت إجابته: “تخيل معي ربة بيت تكدح ليلًا ونهارًا يأتي زوجها فجأه ليدعوها لعشاء رومانسي ومشاهدة فيلم، تتحمس وتغبط هي، وعند ذهابها للسينما تجد فيلم واقعي عن ربة بيت تكدح ليلًا ونهارًا”.. هيتشكوك لم يقصد التقليل من الأدب الواقعي هنا، لكن وجهة نظره هي أن الحياة مقبضة بما يكفي، والهروب أو التغلب على الواقع قد يتمثل في تفاصيل ساحرة بسيطة نجدها في روايات الغموض والتشويق والرعب.

كان فان هيلسنج يحاول الإشارة لشيء ما خلفي، لقد اتسعت عيناه فجأه برعب وشهق، هناك شيء ما يقف خلفي، أعتقد أنه الشر الذي أتى فان هيلسنج لتلك الغابة من أجل مواجهته، أقف أنا بهدوء، والتفت للوراء، ورغمًا عني أتراجع للخلف، وأقف جوار هيلسنج الذي قفز بدوره، لم يكن هناك داع لي لتقييده أو حاجة، وكلانا الآن نقف أمام هول حقيقي.. همست له: أنت لم تقل لي أنك قد أتيت هنا للقاؤه هو..

يهمس هيلسنج مجيبًا: هذا نوع من الرعب لم نتطرق له بعد..
أمامنا يقف الشيء الذي يمثل نهاية الكون.. كوابيس العالم تتجمع به.. هذا الشيء سوف يحكي لنا عن أدب الرعب في تاريخ مصر والعرب.. لأنه يعرف هذا عن خبرة..
هل خمنتم من هو؟

في الفقرة القادمة سيحكي لنا الزائر الغامض أشياء غريبة ومرعبة عن حوادث دارت هنا في مصر، ولسوف نكتشف معه كوابيس لم نكن نعرفها عن أنفسنا.

مقالات ذات صلة

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here

- Advertisment -

الأكثر شهرة

احدث التعليقات